فصل: تفسير الآيات (100- 104):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (85- 89):

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89)}

.شرح الكلمات:

{يسألونك عن الروح}: أي يسألك المشركون بواسطة أهل الكتاب عن الروح الذي يحيا به البدن.
{من أمر ربي}: أي من شأنه وعلمه الذي استأثر به ولم يعلمه غيره.
{لنذهبن بالذي أوحينا إليك}: أي القرآن بأن نمحوه من الصدور والمصاحف لفعلنا.
{لك به علينا وكيلا}: يمنع ذلك منا ويحول دون ما أردناه منك.
{إلا رحمة من ربك}: أي لكن أبقيناه عليك رحمة من ربك فلم نذهب به.
{بمثل هذا القرآن}: من الفصاحة والبلاغة والمحتوى من الغيوب والشرائع والأحكام.
{صرفنا}: بينا للناس مثلاً من جنس كل مثل ليتعظوا به فيؤمنوا ويوحدوا.
{فأبى أكثر الناس}: أي أهل مكة إلا كفوراً أي جحوداً للحق وعناداً فيه.

.معنى الآيات:

يقول تعالى: {ويسألونك عن الروح} إذ قد سأله المشركون عن الروح وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين بإيعاز من يهود المدينة فأخبره تعالى: بذلك وعلمه الرد عليهم فقال: {قل الروح من أمر ربي} وعلمه الذي لا يعلمه الا هو، وما أوتيتم من العلم الا قليلا لأن سؤالهم هذا ونظائره دال على إدعائهم العلم فاعلمهم أن ما أوتوه من العلم الا قليل بجانب علم الله تعالى وقوله تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} هذا امتنان من الله على رسوله الذي انزل عليه القرأن شفاء ورحمة للمؤمنين بأنه قادر على محوه من صدره. وسطره، فلا تبقى منه آية ثم لا يجد الرسول وكيلاً له يمنعه من فِفْلِ الله به ذلك ولكن رحمة منه تعالى لم يشأ ذلك بل يبقيه إلى قيام الساعة حجة الله على عباده وآية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق رسالته، وليس هذا بأول إفضال من الله تعالى على رسوله، بل فضل الله عليه كبير، ولنذكر من ذلك طرفاً وهو عموم رسالته، كونه خاتم الأنبياء، العروج به إلى الملكوت الأعلى، إمامته للأنبياء الشفاعة العظمى، والمقام المحمود.
وقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} لا شك ان هذا الذي علم الله رسوله ان يقوله له سبب وهو ادعاء بعضهم أنه في إمكانه ان يأتي بمثل هذا القرآن الذي هو صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وبذلك تبطل الدعوى، وينتصر باطلهم على الحق. فأمر تعالى رسوله أن يرد على هذا الزعم الباطل بقوله: {قل} يا رسولنا لهؤلاء الزاعمين الإيتان، بمثل هذا القرآن {لئن اجتمعت الإنس والجن} متعاونين متظاهرين على الإيتان بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ذلك لأنه وحى الله وكتابه، وحجته على خلقه. وكفى. فكيف إذا يمكن للأنس والجن أن يأتوا بمثله؟!
وقوله: {ولقد صرفنا في هذا القرآن}
أي بينا مثلاً من جنس كل مثل من أجل هداية الناس وإصلاحهم علهم يتذكرون فيتعظون، فيؤمنون ويوحدون فأبى أكثر الناس الا كفروا أي جحوداً بالحق، وإنكاراً للقرآن وتكذيباً به وبما جاء فيه من الحق والهدى والنور، لما سبق القضاء الإلهي من امتلاء جهنم بالغاوين وجنود إبليس أجمعين.

.من هداية الآيات:

1- علم الروح مما استأثر الله تعالى به.
2- ما علم أهل العلم إلى علم الله تعالى إلا كما يأخذ الطائر بمنقاره من ماء المحيط.
3- حفظ القرآن في الصدور والسطور إلى قرب الساعة.
4- عجز الأنس والجن عن الإيتان بقرآن كالقرآن الكريم.
5- لما سبق في علم الله من شقاوة الناس تجد أكثرهم لا يؤمنون.

.تفسير الآيات (90- 95):

{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95)}

.شرح الكلمات:

{ينبوعاً}: عيناً لا ينضب ماؤها فهي دائمة الجريان.
{جنة}: بستان كثير الأشجار.
{كسفاً}: قطعاً جمع كسفة كقطعة.
{قبيلاً}: مقابلة لنراهم عياناً.
{من زخرف}: من ذهب.
{ترقى}: تصعد في السماء.
{مطمئنين}: ساكنين في الأرض لا يبرحون منها.

.معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والبعث وتقرير ذلك. فقال تعالى مخبراً عن قيلهم لرسول الله وهم يجادلون في نبوته: فقالوا: {لن نؤمن لك} أي لن نتابعك على ما تدعو إليه من التوحيد والنبوة لك والبعث والجزاء لنا {حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} أي عيناً يجري ماؤها على وجه الأرض لا ينقطع {أو تكون لك جنة} أي بستان من نخيل وعنب، {فتنفجر الأنهار خلالها} أي خلال الأشجار تفجيراً، {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} أي قطعاً، {أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً} أي مقابلة نراهم معاينة، {أو يكون لك بيت من زخرف} أي من ذهب تسكنه بيننا {أو ترقى في السماء} أي تصعد بسلم ذي درج في السماء، {ولن نؤمن لرقيك} إن أنت رقيت {حتى تنزل علينا كتاباً} من عند الله {نقرأه} يأمرنا فيه بالايمان بك واتباعك! هذه ست طلبات كل واحدة اعتبروها آية متى شاهدوها زعموا أنهم يؤمنون، والله يعلم أنهم لا يؤمنون، فلذا لم يستجب لهم وقال لرسوله: قل يا محمد لهم: {سبحان الله} متعجباً من طلباتهم {هل كنت الا بشراً رسولاً}؟! أي هل كنت غير بشر رسول؟ وإلا كيف يطلب مني هذا الذي طلبوا، ان ما تطلبونه لا يقدر عليه عبد مأمور مثلي، وإنما يقدر عليه رب عظيم قادر، يقول للشيء كن... فيكون! وأنا ما ادعيت ربوبية، وإنما أصرح دائماً بأني عبدالله ورسوله إليكم لأبلغكم رسالته بان تعبدوه وحده ولا تشركوا به سواه وتؤمنوا بالبعث الآخر وتعلموا به بالطاعات وترك المعاصي. وقوله تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى} أي وما منع أهل مكة أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى على يد رسولهم {إلا أن قالوا} أي إلا قلولهم {أبعث الله بشراً رسولاً}؟ منكرين على الله أن يبعث رسولاً من البشر!
وقوله تعالى: {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} أي قل يا رسولنا لهؤلاء المنكرين أن يكون الرسول بشراً، المتعجبين من ذلك، قل لهم: لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ساكنين في الأرض لا يغادرونها لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً يهديهم بأمرنا ويعلمهم ما يطلب منهم فعله بإذننا لأنهم يفهمون عنه لرابطة الجنس بينهم والتفاهم الذي يتم لهم. ولذا بعثنا إليكم رسولاً من جنسكم تفهمون ما يقول لكم يقدر على إفهامكم والبيان لكم فكيف إذاً تنكرون الرسالة للبشر وهي أمر لابد منه؟!

.من هداية الآيات:

1- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
2- بيان شدة عناد مشركي قريش، وتصلبهم وتحزبهم إزاء دعوة التوحيد.
3- بيان سخف عقول المشركين برضاهم للألوهية بحجر وإنكارهم الرسالة للبشر!
4- تقرير أن التفاهم حسب سنة الله لا يتم الا بين المتجانسين فإذا اختلفت الأجناس فلا تفاهم الا أن يشاء الله فلا يتفاهم إنسان مع حيوان أو جان.

.تفسير الآيات (96- 99):

{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99)}

.شرح الكلمات:

{شهيداً}: على أني رسول الله إليكم وقد بلغتكم وعلى أنكم كفرتم وعاندتم.
{فلن تجد لهم أولياء}: أي يهدونهم.
{على وجوهم}: أي يمشون على وجوهم.
{عمياً وبكماً وصماً}: لا يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون.
{كلما خبت}: أي سكن لهبها زدناهم سعيراً أي تلهباً واستعاراً.
{مثلهم}: أي أناساً مثلهم.
{أجلاً}: وقتاً محدداً.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في تقرير النبوة المحمدية إذ يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قل لأولئك المنكرين ان يكون الرسول بشراً، {كفى بالله شهيداً بيني وبينكم} على أني رسوله وأنتم منكورن عليّ ذلك.
إنه تعالى كان وما زال {بعباده خبيراً} أي ذا خبرة تامة بهم {بصيراً} بأحوالهم يعلم المحق منهم من المبطل، والصادق من الكاذب وسيجزي كلاً بعمله ورحمته. وقوله تعالى: {ومن يهد الله فهو المهتد} يخبر تعالى أن الهدايه بيده تعالى فمن يهده الله فهو المهتدي بحق، {ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه} أي يهدونهم بحال من الأحوال، وفي هذا الكلام تسلية للرسول وعزاء في قومه المصرين على الجحود والانكار لرسالته.
وقوله: {ونحشرهم يوم القيامة} أي أولئك المكذبين الضالين الذين ماتوا على ضلالهم وتكذيبهم فلم يتوبوا نحشرهم يوم القيامة، يمشون على وجوههم حال كونهم عمياً لا يبصرون، بكماً لا ينطقون، صماً لا يسمعون وقوله تعالى: {مأواهم جهنم} أي محل استقرارهم في ذلك اليوم جهنم الموصوفة بأنها {كلما خبت} أي سكن لهبها عنهم زادهم الله سعيرا أي تلهباً واستعاراً. وقوله تعالى: {ذلك جزاؤهم} أي ذلك العذاب المذكور بأنهم جزاؤهم بأنهم كفروا بآيات الله أي سبب كفرهم بآيات الله. وقولهم إنكاراً لليعث الآخر واستبعاداً له: {أإذا كنا عظاماً ورُفاتاً} أي تراباً {أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً} ورد الله تعالى على هذا الاستبعاد منهم للحياة الثانية فقال: {أو يروا} أي أينكرون البعث الآخر؟ ولم يروا بعيون قلوبهم {أن الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم}؟؟! بلى إنه لقادر لو كانوا يعلمون!
وقوله تعالى: {وجعل لهم أجلاً} أي وقتاً محدوداً معيناً لهلاكهم وعذابهم {لا ريب فيه} وهم صائرون إليه لا محالة، وقوله: {فأبى الظالمون إلا كفوراً} أي مع هذا البيان والاستدلال العقلي أبى الظالمون إلا الجحود والكفران ليحق عليهم كلمة العذاب فيذوقوه والعياذ بالله تعالى.

.من هداية الآيات:

1- عظم شهادة الله تعالى ووجوب الاكتفاء بها.
2- الهداية والاضلال بيد الله فيجب طلب الهداية منه والاستعاذة به من الضلال.
3- فظاعة عذاب يوم القيامة إذ يحشر الظالمون يمشون على وجودهم كالحيات وهو صم بكم عمي والعياذ بالله تعالى من حال أهل النار.
4- جهنم جزاء الكفر بآيات الله والانكار للبعث والجزاء يوم القيامة.
5- دليل البعث عقلي كما هو نقلي فالقادر على البدء، قادر عقلاً على الإعادة بل الاعادة- عقلاً- أهون من البدء للخلق من لا شيء.

.تفسير الآيات (100- 104):

{قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104)}

.شرح الكلمات:

{خزائن رحمة ربي}: أي من المطر والأرزاق.
{لأمسكتم}: أي منعتم الانفاق.
{خشية الإنفاق}: خوف النفاد.
{قتوراً}: أي كثير الأقتار أي البخل والمنع للمال.
{تسع آيات بينات}: أي معجزات بينات أي واضحات وهو اليد والعصا والطمس إلخ.
{مسحوراً}: أي مغلوياً على عقلك، مخدوعاً.
{ما أنزل هؤلاء}: أي الآيات التسع.
{مثبوراً}: أي يستخفهم ويخرجهم من ديار مصر.
{اسكنوا الأرض}: أي أرض القدس والشام.
{الآخرة}: أي الساعة.
{لفيفاً}: أي مختلطين من أحياء وقبائل شتى.

.معنى الآيات:

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لأولئك الذين يطالبون بتحويل جبل الصفا إلى ذهب، وتحويل المنطقة حول مكة ال بساتين من نخيل وأعناب تجري الأنهار من خلالها، قل لهم، لو كنتم أنتم تملكون الخزائن رحمة ربي من الأموال والأرزاق لأمسكتم بخلابها ولم تنفقوها خوفاً من نفاذها إذ هذا طبعكم، وهو البخل، {وكان الإنسان} قبل هدايته وإيمانه {قتوراً} أي كثير التقتير بخلاً نفسياً ملازماً حتى يعالج هذا الشح بما وضع الله تعالى من دواء نافع جاء بيانه في سورة المعارج هذا الكتاب الكريم.
وقوله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} أي، ولقد أعطينا موسى بن عمران نبي بني إسرائيل تسع آيات وهي: اليد، والعصا والدم، وانفلاق البحر، والطمس على أموال آل فرعون، والطوفان والجراد والقمل والضفادع، فهل أمن عليها أي فرعون؟! لا، إذا، فلو اعطيناك ما طالب به قومك المشركون من الآيات الست التي اقترحوها وتقدمت في هذه السياق الكريم مبينة، ما كانوا ليؤمنوا، ومن هنا فلا فائدة من إعطائك إياها.
وقوله تعالى: {فاسأل بني إسرائيل} أي سل يا نبينا علماء بن إسرائيل كعبدالله بن سلام وغيره، إذ جاءهم موسى بطالب فرعون بإرسالهم معه ليخرج بهم إلى بلاد القدس، وأرى فرعون الآيات الدالة على صدق نبوته ورسالته وأحقية ما يطالب به فقال له فرعون: {إني لأظنك يا موسى مسحوراً} أي ساحراً لإظهارك ما أظهرت من هذه الخوارق، ومسحوراً بمعنى مخدوعاً مغلوياً على عقلك فتقول الذي تقول مما لا يقوله العقلاء فرد عليه موسى بقوله بما أخبر تعالى به في قوله: {لقد علمت} أي فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات البينات الا رب السماوات أي خالقها ومالكها والمدبر لها {بصائر} أي آيات واضحات مضيئات هاديات لمن طلب الهداية، فعميت عنها وأنت تعلم صدقها {وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً} أي من أجل هذا اظنك يا فرعون ملعوناً، من رحمة الله مبعداً مثبوراً هالكاً. فلما أعيته أي فرعون الحجج والبينات لجأ إلى القوة، {فأراد أن يستفزهم من الأرض} أي يستخفهم من أرض مصر بالقتل الجماعي استئصالاً لهم، أو بالنفي والطرد والتشريد، فعامله الرب تعالى بنقيض، قصده فأغرقه الله تعالى هو وجنوده أجمعين، وهو معنى قوله تعالى: {فأغرقناه ومن معه أجمعين} أي من الجنود.
وقوله تعالى: {وقلنا من بعده} أي من بعد هلاك فرعون وجنوده لبني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام {اسكنوا الأرض} أي أرض القدس والشام إلى نهاية آجالكم بالموت. {فإذا جاء وعد الآخرة} أي يوم القيامة بعثناكم أحياء كغيركم، {وجئنا بكم لفيفاً} أي مختلطين من أحياء وقبائل وأجناس شتى لا ميزة لأحد على آخر، حفاة عراة لفصل القضاء ثم الحساب والجزاء.

.من هداية الآيات:

1- الشح من طبع الإنسان الا أن يعالجه بالإيمان والتقوى فيقيه الله منه.
2- الآيات وحدها لا تكفي لهداية الإنسان بل لابد من توفيق إلهي.
3- مظاهر قدرة الله تعالى وانتصاره لأوليائه وكبت أعدائه.
4- بيان كيفية حشر الناس يوم القيامة لفيفاً أخلاطاً من قبائل وأجناس شتى.

.تفسير الآيات (105- 109):

{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)}

.شرح الكلمات:

{وبالحق أنزلناه}: أي القرآن.
{وبالحق نزل}: أي نزل ببيان الحق في العبادات والعقائد والأخبار والمواعظ والحكم والأحكام.
{وقرآناً فرقناه}: أن نزلناه مفرقاً في ظرف ثلاث وعشرين سنة لحكمة اقتضت ذلك.
{على مكث}: أي على مهل وتؤده ليفهمه المستمع إليه.
{ونزلناه تنزيلاً}: أي شيئاً فشيئاً حسب مصالح الأمة لتكمل به ولتسعد عليه.
{أوتوا العلم من قبله}: أي مؤمنوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى كعبدالله بن سلام، وسلمان الفارسي.
{للأذقان سجداً}: أي سجداً على وجوهم، ومن سجد على وجهه فقد خر على ذقنه ساجداً.
{إن كان وعد ربنا لمفعولاً}: منجزاً، واقعاً، فقد ارسل النبي الأمي الذي بشرت به كتبه وأنزل عليه كتابه.

.معنى الآيات:

يقول تعالى: {وبالحق أنزلناه} أي ذلك الكتاب الذي جحد به الجاحدون، وكذب به المشركون أنزلناه بالحق الثابت حيث لا شك انه كتاب الله ووحيه إلى رسوله، {بالحق نزل} فكل ما جاء فيه ودعا اليه وأمر به. وأخبر عنه عقائد وتشريع وأخبار ووعد ووعيد كله حق ثابت لا خلاف فيه ولا ريبة منه. وقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً} أي لم نرسلك لخلق الهداية في قلوب عبادنا ولا لإجبارهم بقوة السلطان على الإيمان بنا وتوحيدنا، وإنما أرسلناك للدعوة والتبليغ {مبشراً} من أطاعنا بالجنة ومنذراً من عصانا مخوفاً من النار. وفي هذا تقرير لرسالته صلى الله عليه وسلم ونبوته تعالى: {وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} أي أنزلناه القرآن وفرقناه في خلال ثلاث وعشرين سنة لحكمة منا اقتضت ذلك وقوله: {لتقرأه على الناس على مكث} أيات بعد آيات ليكون ذلك أدعى إلى فهم من يسمعه ويستمع اليه، وقوله تعالى: {ونزلناه تنزيلاً} أي شيئاً فشيئاً حسب مصالح العباد وما تتطلبه تربيتهم الروحية والإنسانية ليكملوا به، عقولاً وأخلاقاً وأرواحاً ويسعدوا به في الدارين وقوله تعالى: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا} أي قل يا رسولنا للمنكرين للوحي القرآني من قومك، آمنوا أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم بهد كعدمه لا يغير من واقعه شيئاً فسوف يؤمن به ويسعد عليه غيركم إن لم تؤمنوا أنتم به وهاهم أولاء الذين أوتوا العلم من قبله من علماء أهل الكتابين اليهود والنصارى قد آمنوا به، يريد أمثال عبدالله بن سلام وسلمان الفارسي والنجاشي أصحم الحبشي وإنهم {إذا يتلى عليهم} أي يقرأ عليهم {يخرون للأذقان سجداً} أي يخرون ساجدين على أذقانهم ووجوهم ويقولون حال سجودهم {سبحان ربنا} أي تزيهاً له أن يخلف وعد أنه يبعث نبي آخر الزمان وينزل عليه قرآناً، {إن كان وعد ربنا لمفعولاً} إقراراً منهم بالنبوة المحمدية والقرآن العظيم، أي ناجزاً إذ وعد بإرسال النبي الخاتم وإنزال الكتاب عليه فأنجز ما وعد، وهكذا وعد ربنا دائماً ناجز لا يختلف، وقوله: {ويخرون للأذقان يبكون} أي عندما يسمعون القرآن لا يسجون فحسب بل يخرون يبكون ويزيدهم سماع القرآن وتلاوته خشوعاً في قلوبهم واطمئناناً في جوارهم لأنه الحق سمعوه من ربهم.

.من هداية الآيات:

1- القرآن حق من الله وما نزل به كله الحق.
2- الندب إلى ترتيل القرآن لاسيما عند قراءته على الناس لدعوتهم إلى الله تعالى.
3- تقرير نزول مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة.
4- تقرير النبوة المحمدية بنزول القرآن وإيمان من آمن به من أهل الكتاب.
5- بيان حقيقة السجود وأنه وضع على الأرض.
6- مشروعية السجود للقارئ أو المستمع وسنية ذلك عند قراءة هذه الآية وهي {يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً} فيخر ساجداً مكبراً في الخفض وفي الرفع قائلاً: الله أكبر ويسبح ويدعو في سجوده بما يشاء.